المقريزي
312
المقفى الكبير
[ 462 أ ] وكتبت هذه السطور كما ينفث المصدور ، واللّه حسبي ونعم النصير . فلم يلتفت إلى قوله ، وعزل في جمادى الأولى سنة خمس عشرة وأربعمائة بأبي طاهر المحسّن بن طاهر الشيرازيّ . وكانت وزارته عشرة أشهر وخمسة أيّام . [ خروجه من جديد إلى قرواش ثمّ إلى ابن مروان ] واتّفق أنّه في مدّة وزارته أوحش الأثير أبا المسك عنبر من الوافي أبي مقاتل أرسلان الطويل ، فأغراه به حتى قبض عليه وقتله . وجرى في أثناء ذلك أمور دعت مشرّف الدولة أبا عليّ ، والأثير أبا المسك عنبر إلى مفارقة بغداد والخروج عنها إلى أوانا كما هو مذكور في أخبار بغداد « 1 » . فتأكّدت الوحشة بين أبي القاسم ابن المغربيّ وبين الأتراك ، فخاف ، وكان قد خرج مع مشرّف الدولة . ففارقه وقصد معتمد الدّولة أبا المنيع قرواش فجرى على عادته ، وأثار ما جدّد سوء رأي القادر باللّه فيه لما حدث بين الزكيّ أبي عليّ بن عمر بن [ . . . ] الحسن ، وأبي الحسن علي بن أبي طالب ، وبين أبي المختار بن عبيد اللّه والهاشميّين بالكوفة ، من الفتنة التي ذهبت فيها النفوس والأموال ، [ و ] ما جمعت فيه الجموع وعقدت به المحاضر المشتملة على ذمّه والوقيعة فيه . فأوجب ذلك له قصد نصير الدولة أبي نصر بن مروان ، والبعد إلى بلاده . فأقام عنده على حكم الضيافة مدّة أكرمه فيها نصير الدولة غاية الإكرام ، وأقطعه ضياعا جليلة تقوم به وبمن وصل معه من حاشيته وأتباعه . ولم يزل عنده إلى أن كوتب من بغداد بالعود إليها . فاستأذن نصير الدولة في ذلك فلم يمكنه مخالفته . وكان له وزير يعرف بأبي الحسن محمد بن القاسم بن صقلاب من أهل الموصل . فقال له : إنّ هذا رجل عظيم له سياسة وتدبير ، وعظم حيلة . وقد بلغك ما فعله من الأمور العظام ، وأنّه دوّخ الممالك وقلب الدول . وقد خبر حال هذه البلاد وطال مقامه فيها وعرف غوامض أسرارها . وإنّك لا تأمن من مكره ، فاحتل عليه ودبّر لنفسك . [ دسيسة من ابن صقلاب لقتله ] فمال إلى قول وزيره ، ودسّ على أبي القاسم ابن المغربيّ سمّا في شرابه ، وكان مبرزا بأخبيته وفساطيطه بظاهر ميافارقين فلمّا أحسّ بالموت ، كتب كتابا إلى كلّ من يصل إليه من الأمراء والرؤساء الذين فيما بين ديار بكر والكوفة ، يعرّفهم فيه أنّ حظيّة له توفّيت وأنّ تابوتها يجتاز بهم [ 462 ب ] إلى مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وخاطبهم في المراعاة لمن يصحبه . وقصد بهذا أن لا يتعرّض أحد لتابوته وأن ينطوي خبر موته ، خوفا ممّا أثّره في أهل الكوفة من الآثار السيّئة . ثمّ تقدّم بردّه إلى المدينة ، فحمل إلى ميافارقين ، ومات بها في ثالث عشر شهر رمضان سنة ثماني عشرة وأربعمائة - وقيل غير ذلك ، وليس بصحيح - فحملت جثّته من ميّافارقين إلى الكوفة ، وبينهما مسيرة نحو شهر ، فدفن بتربة كانت له بجوار قبر علي بن أبي طالب ( رضي اللّه عنه ) . ويقال إنّه غيّر مولده وأنكر أن يكون ولد بمصر . وقد رئي مولده الذي تقدّم ذكره بخطّ أبيه . وقال الرئيس أبو الحسين هلال بن المحسّن بن
--> ( 1 ) أوانا : على عشرة فراسخ من بغداد في اتجاه تكريت . وأخبار بغداد هو تاريخ أحمد بن أبي طاهر طيفور ( ت 280 ) الأعلام ، 1 / 138 .